كان مولعا بالتفاصيل أيّ ولع
..تجاعيد السّماء حول زرقة لا حدّ لها..الموج المتدفّق وهو يلثم الشواطىء
المنتظرة..كلّ جزء صغير من أجسادهنّ المزروعة في جسد الأرض الكبير.. قصص لا تُقرأ مرّة واحدة..أمواج من زرع ترتجف
كلّما لمستها الرّيح...كلّ ما حوله يجعله يرسم ويلثم ويشمّ ويتوق..ألا يتعب؟ ألا
يشقى ؟
لم يكن له إلا أن يقتنص من كل
لحظة عارمة ما به يحتمل يومه وعمره ودهره.
في البدء كان يمرح ولكنّه أصبح
يتألّم..هل ضيّع راحته إلى الأبد؟..أنّى له أن يرتاح..أنّى له أن يهتدي ؟
كذلك كان يلهو بالكلمات يقطف
منهنّ ثمارا يانعه..إذا سمع كلمة تضيء ارتعش لها وأخذ قلمه ليرسمها ..حتّى لا
ينساها..يخشى عليها الضّياع ككنز ثمين.
رأى مرّة وهو قابع في الظلام صورة
لفكرة فكتبها تحت ستار الليل ولكنه لم يجد في الصباح الا التراب ..مجرد خطوط سوداء
مضطربة..كم أرهقه ذلك.
كان كلّ حياته ينتظر هذه
اللحظات الملوّنة..وأصبح يعيش من أجلها.
أغوته هذه اللعبة كثيرا ومضت
به إلى عوالم غير متوقّعه..وخاصة بعد أن باح بسرّه الكبير لها..أغراها السفر معه
الى هذه المناطق الحمراء ..ولم تكتف وهي قريبة..فكانت ترسل له في كلّ حين قطعة
منها ..وكان الكلام ينزل عليه كوحي وهو ينتظرها لينهل منها..أصبح جسدها يتقن لغات عديدة..لغة
اللّهب ولغة الماء ولغة السّماء.
وكان دوما يتساءل :هل يمكن أن
يجعل عمره كلّه لحظات عارمة غامرة ترجّ ملله وتعبث به وتقهره..لمَ اختار ألّا
يرتاح؟..هل في السّكون موت له؟ مرّة قالت له : تذكّرني بالنّحل وهو يسافر من وردة
الى وردة ..تشمّ وتقتات وتمصّ ثمّ تحلّق..كم أسعده منها هذا التشبيه..وعلم أنها
العدوى..كانت تتحدّث عن نفسها..ما أشهى عدوى الحياة وما أسرع عدواها بين المتعبين
من السفر.. حسبك أن تستيقظ على السّحر لتتشبّث به حتى آخر قطرة من دمك.
ومرّت الأيّام وهو يهرب من
التعب إلى تعب أشهى..أصبح يمتطي شجرته كلّما رآها.يداعب أغصانها ويجني ثمارها
ويطرّز منها ضفائر غريبة..سهولا وهضابا سهوبا
ورحابا..وكان كل يوم ينزل بأرض وينهل من عين..لا الماء ينتهي ولا هو يرتوي.. كانت
تعلّمه أن يحوم حول الجذوة قبل أن يقبل عليها ويحترق بها.. قال لها مرّة : ماله لا
يلين لي ..فقالت :داعبه ..أعطه وقته..أنّه يغفو لينهض أشدّ..انه يسأل عنك كلما
ابتعدت..الجبارة كانت تنهل من كؤوس عدّة..زرقاء كامل اليوم ..حمراء من لهب في
المساء.
لم يكن غازيا كما ظنّ ..كان يتعلّم منها ومعها أسرار الطريق..وما
أطولها
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire