16/11/2016

طه حسين / أديب


إنك تنتظر أن أكتب إليك لأصف لك حياتي في باريس. وما كان أحبّ إليّ أن أفعل! ولكن حياة باريس لا تُوصف في الكتب والرسائل، ولا سبيل لك إلى أن تعرفها مقاربة إلا إذا حييتها. على أني أُحِبُّ أن أصوِّر لك شعوري في باريس تصويرا مقاربا غير دقيق. ولن يكون هذا التصوير بكلام أكتبه إليك؛ فالكلام كما قلت لا يُغنى في باريس شيئا. ولكن اذهب إلى الأهرام، فما أظن أنك ذهبت إليها قط، واُنفذ إلى أعماق الهرم الكبير، فستضيق فيه بالحياةِ وستضيق بك الحياةُ، وستحس اختناقا وسيتصبّبُ جسمك عرقا، وسيُخَيَّلُ إليك أنك تحمل ثقل هذا البناء العظيم، وأنه يكاد يهلكك، ثم اخرج من أعماق الهرم واستقبل الهواء الطلق الخفيف، واعلم بعد ذلك أن الحياة في مصر هي الحياة في أعماق الهرم، وأن الحياة في باريس هي الحياة بعد أن تخرج من هذه الأعماق

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire

Nombre d'or

Sous tes yeux baissés S'amassent tant de silences De matins torrides Et de vaines rancoeurs Plutôt amère La froide impati...