حدّثت ثريّا يوما قالت: كان "ديدال" Dédale -وهو الاسم الذي يؤثر أن نناديه به..حتى كدنا ننسى اسمه الأوّل - هائما على وجهه أبدا..يحبّ التّيه والضياع أكثر من حبّه لأيّ شيء آخر..يعيش الحياة كما يتخيّلها لا تثقله مسافاتها ولا أعباؤها..كان يحبّ البحر كثيرا ويراه حوله في كل حين..حتى عندما نبتعد عنه ونذهب الى الصّحراء ..وكثيرا ما كان يقول..البحر في قلبي..أراه حتى وان لم يكن هنا.
كنت في عيونه ملكة نزلت من السماء وليس امرأة مزروعة في الأرض كما أنا فعلا.أذكر جيّدا أنّي قلت له يوما:اِذهب الى السّوق..اِشتر لي بعض الحاجات غذاء ليومنا..فيقول:سيكون طعامنا اليوم حبّا ولحما..هل يجب أن نأكل كل يوم..اِنسَيْ طين الأرض ولو يوما واحدا..فأذهب الى السوق وأحمل الوزر وحدي..واذا حان وقت الطعام..يصرف وجهه اليه بلذّة ..ثم يقبل عليّ بعده بشوق كأعتى الرجال لا يشبع.ثم يعود بعدي الى طعامي ويقول..ما أشهاكما..ما ألذّ طعامَيْك يا ثريّا..وكان يدللني بذلك الاسم دائما...ثم يذهب الى أوراقه وكتبه ويقضي بقية اليوم معهما..كان همّه أن يكتب كل ما يحدث له..حتى ما لم يحققه كان يرسمه على لحم الورق كما يحلو له أن يقول..وعندما أسأله..لماذا تكذب ولا تبوح بالحقيقة..كان يضحك حتى الدمع ويقول..الحقيقة مخادعة ماكرة..هي كمومس ..حتى لذّتها تترك مرارة في الفم..ويلعنها بكل اللغات التي كان يتقنها..ولم تكن قليلة.
كان البحر أكبر أصدقائه..وأقربهم الى نفسه..يذهب اليه حتى في الشتاء وأيّام البرد ليغسل فيه حزنه..وكان يردد دائما:لولاه لما كان للحياة معنى..
قال لي يوما: سأكتب كل ما حدث لي معك في كتيّب صغير وأردّ عليه: ما فائدة ذلك..أخلد الى الأرض ..واعتن بنا ..أنا وابنك..أنت معنا كأنك لست معنا..نحن نشتاق لك أنا وسهيل..وكان يناديه ايكار Icare وكأنّه يعلم رحيله حتّى قبل حلوله..
فيجيب:أريد أن أكتب ما عشته وما لم أعشه كأنني عشتهما معا..ألا ترين أنّ الخيال حياة..عندما أغفو أرى أشياء كثيرة أحبّها ولا أستطيع أن أحققها..أليس ذلك جزءا منّي..العملية بسيطة جدا..ليست الحياة ما تراه العين ويلمسه النّسيم فقط..انّها كذلك ما يراه العقل عندما يسرح..الحياة عالمك الّذي تعيشه مع النّاس وهي كذلك ما تعيشه وأنت مع نفسك عندما تجلس اليها..
وكنت أفهمه ..لكنّي أتساءل: لماذا يتعب نفسه ويتعبني معه..كان "ديدال" يعقّد الأمور كثيرا....كان يبني للوهم منازل في قلبه ..فهو كبطل الأساطير الّذي أراد أن يطير هربا من سجن الأرض..وهل يسع سجن ضيّق أحلامه الّتي بحجم السّماء
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire